اللهم لك سجدت وبك آمنت ، في عالم تتشابك فيه الأحداث وتتداخل فيه المشاعر، يبقى الإنسان في حاجة دائمة إلى ملاذ يطمئن إليه قلبه ويستقر عنده فكره. ذلك الملاذ هو الله سبحانه وتعالى، الذي هو الأمل والرحمة، والملجأ الذي يجد فيه العبد سكينة روحه وراحة نفسه. في هذه العبادة العظيمة، تتجلى حقيقة الإيمان والذل بين يدي الخالق، حيث يقول العبد بكل صدق وإخلاص: “اللهم لك سجدت وبك آمنت”. هذه الكلمات ليست مجرد حروف تُقال، بل هي تجسيد لطاعة القلب، وخضوع النفس، وإقرار بالحب والاعتماد على الله وحده، تعبير عن رحلة الإنسان الروحية نحو القرب من الله، وصدق الإيمان به.
محتويات المقال
اللهم لك سجدت وبك آمنت
ورد عن علي رضي الله عنه أنه نقل عن النبي ﷺ أنَّه كان إذا قام إلى الصلاة يقول دعاء “اللهم لك سجدت وبك آمنت”. وقد تناول المؤلف في حديث طويل هذا الدعاء مفصلًا على عدة أجزاء؛ ثلاثة منها مضت بالفعل، وهي المتعلقة بدعاء الاستفتاح، ودعاء الركوع، ودعاء الرفع من الركوع. وفي هذا الموضع، نذكّر بهذا الحديث من خلال ذكر نصّه المتعلق بالسجود.
- فأوَّله: “كان إذا قام إلى الصَّلاة” بهذا الإطلاق، فهنا لم يُحدد أنَّها صلاةُ تطوعٍ أو فريضةٍ، وهل هي صلاة الليل أو غير ذلك؟
- “كان إذا قام إلى الصَّلاة”، فظاهره الإطلاق أو العموم؟
- قال: وجهتُ وجهي للذي فطر السَّماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ، وأنا أوَّل المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنَّه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، إلى آخر دعاء الاستفتاح الذي مضى الكلامُ عليه.
- ذاك هو أول هذا الحديث الذي عندنا في السُّجود، وإذا ركع -نفس الحديث- قال: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي، وهذا قد مضى أيضًا.
- وإذا رفع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السَّماوات، وملء الأرض، وملء ما شئتَ من شيءٍ بعد، وملء ما بينهما، وملء ما شئتَ من شيءٍ بعد.
- ثم يأتي ما يتعلَّق بالسُّجود: “وإذا سجد قال: اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشقَّ سمعَه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين”، وبقيت فيه بقيةٌ في آخر الحديث بين التَّشهد والتَّسليم، يعني: إذا فرغ من تشهده قبل أن يُسلم، فهذا الحديث أخرجه الإمامُ مسلمٌ في “صحيحه”.
اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وَجِلَّهُ
ثبت عن رسول الله ﷺ العديد من الأدعية التي تُقال في الركوع والسجود، وقد تم تناول شرحها في مواضع سابقة، لذلك نكتفي هنا بالإشارة إليها دون إعادة تفصيل. ومن هذه الأدعية: “سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي”، وقول: “سبوح قدوس رب الملائكة والروح”، وكذلك: “سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة”. هذه الأذكار وغيرها مما يُقال في الركوع والسجود قد سبق الكلام عليها وتوضيحها، فلا حاجة لإعادتها هنا.
- من هذه الأذكار والأدعية التي تُقال في السُّجود: ما رواه الإمامُ مسلمٌ في “صحيحه” من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كلّه، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه.
- فالنبي ﷺ كان يقول ذلك في سجوده، يعني: أحيانًا؛ لأنَّه ثبت عنه ﷺ أنَّه كان يقول غيره، كما مضى في جملةٍ من الأذكار في الليالي الماضية، وكونه يقول ذلك في السُّجود يحتمل أنه يقوله مع قول: سبحان ربي الأعلى كما مضى، ويحتمل أنَّه يقوله مُفردًا له، من غير ذكرٍ آخر يقوله معه، هذا احتمالٌ.
- وقوله: اللهم اغفر لي ذنبي كلّه عرفنا أنَّ الغفر ينتظم معنيين: السَّتر والوقاية. وقلنا: منه “المغفر” يستر رأسَ المقاتل، ويقيه أيضًا من ضرب السِّلاح، فإذا قال العبدُ: اللهم اغفر لي، يعني: يا الله، اغفر لي. فهو يطلب أن يستره، وأن يقيه تبعة الذَّنب، يعني: المؤاخذة، فيكون ذلك بالعفو والتَّجاوز والصَّفح.
- ذنبي ذنبٌ مُفردٌ مُضافٌ إلى ياء المتكلم، وهو معرفة، ومثل هذا يُفيد العموم، يعني: ذنوبي، هذا المعنى، لكنَّه أكَّد ذلك أيضًا بقوله: كلّه، وما ذكر بعده من قوله: دقّه وجلّه يمكن أن يكون ذلك أنَّه من قبيل التَّفصيل لأنواع هذا الذَّنب: إمَّا أن يكون من الأمور الصَّغيرة، أو من الأمور الكبيرة، أو يكون ذلك لبيان هذا الذَّنب، أو يكون ذلك بتقدير: اغفر لي ذنبي كلّه أعني: دقّه وجلّه، ودقّه يعني: دقيقه وصغيره، فإنَّ الصَّغائر تجتمع على العبد حتى تُهلكه إذا تكاثرت.
- وقد مثَّلها النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام-: كمثل قومٍ نزلوا أرض فلاةٍ، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجلُ ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، فأجَّجوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها، فالذُّنوب الصِّغار يُحاسَب الإنسانُ عليها.
اللهم اكتب لي بها عندك أجراً
حديثَ عائشة -رضي الله تعالى عنها-، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقَه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقُوَّته.
- وفي لفظٍ: كان رسولُ الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل. يعني: في صلاة الليل: سجد وجهي للذي خلقَه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوَّته، فتبارك الله أحسن الخالقين.
- هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وقال عنه الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وصححه الحاكم، وقال: على شرط الشَّيخين. ووافقه الذَّهبي، وقد صحَّحه أو حسَّنه الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله-.
- فقوله في هذا الحديث: سجد وجهي للذي خلقَه، وشقَّ سمعَه وبصره، قوله: سجد وجهي يُحمل على الوجه، لا على الذات، وذلك أنَّه قال: وشقَّ سمعَه وبصرَه، فهذا كلّه مما يتَّصل بالوجه، يعني: شقَّ سمعَه وبصره فتحهما، وأعطاهما الإدراك بحوله وقوَّته -تبارك وتعالى-، يعني: هو الذي صرفهما هذا التَّصريف، ودبَّرهما هذا التَّدبير، فإنَّه لا تحول من حالٍ إلى حالٍ إلا بعون الله -تبارك وتعالى- وقوّته، وإرادته، وتدبيره: بحوله وقوَّته، فالله -تبارك وتعالى- هو الذي يخلق ذلك، ويصرفه، ويُوجِده، ولا يستطيعه أحدٌ سواه: شقَّ سمعَه وبصرَه بحوله وقُوَّته.
- وفي الرِّواية الأخرى بزيادة: فتبارك الله أحسن الخالقين، وقد مضى الكلامُ على مثل هذا، وقلنا: “أحسن الخالقين” فسَّره بعضُ أهل العلم: بالمقدِّرين. قلنا: إنَّ الخلقَ يأتي لمعانٍ منها التَّقدير، وكذلك التَّصوير، فهو أحسن الخالقين، أحسن المقدِّرين، والمصورين، يبقى المعنى الثالث: وهو الإيجاد من العدم، هذا يختصُّ بالله -تبارك وتعالى-، ولا يُضاف إلى المخلوقين؛ لهذا قال: أحسن الخالقين، فالذي يكون من المخلوقين مما يُضاف إليهم مما يكون من قبيل الخلق إنما هو التَّشكيل والتَّصوير، أو التَّقدير: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا [العنكبوت:17].
قد يهمك:
- اللهم قنا شر الفتن
- اللهم قنا عذاب النار
- اللهم قوي ذاكرتي
- اللهم قنعني بما رزقتني
- اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي
- اللهم كن معي
- اللهم كن معي في كل خطوة بحياتي
- اللهم لا سهل الا ماجعلته سهلا
- اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك
- اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله
اللهم بك آمنت وعليك توكلت
حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا تموت، والجن والإنس يموتون.
- فهذا الثناء على الله -تبارك وتعالى- والسؤال الذي تضمنه هذا الحديث هو من جوامع الكلم، وهو على السنة المعروفة، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يدعو الله -تبارك وتعالى- وأن يسأله مسألة فإنه يحسن به أن يقدم من الثناء على الله ما يناسب المقام، ويظهر فقره، وحاجته، ومسكنته إلى ربه .
- يقول النبي ﷺ: اللهم لك أسلمت يعني: أسلم لسانه، وقلبه، وجوارحه، أسلم لأحكام الله الشرعية التي هي حدوده، الحلال والحرام، وما أشبه ذلك، فلا يخرج عن شيء من أمر الله -تبارك وتعالى، ولا يترك محابّه إلى مساخطه.
- وكذلك يُسْلم الإنسان لربه -تبارك وتعالى- في أحكامه القدرية، فلا يعترض على أقدار الله وإن كانت مؤلمة، وإن كانت مزعجة بالنسبة إليه، فهذا من حقيقة الإسلام، إسلام الوجه لله، فإن الإنسان لا تزال تنتاشه المكاره مرة بعد مرة، وإن كان قد طال عمره فصار هو أطول أهله عمراً فمعنى ذلك أنه سيفجع بهم جميعاً، الواحد بعد الآخر، هذه حقيقة الحياة، أو أنهم يفجعون به أولاً.