يُعد العتاب من أرقّ أساليب التعبير عن المشاعر الإنسانية، فهو لغة المحبة التي تخرج من القلب لتعاتب دون أن تُؤذي، وتلوم دون أن تُهين. وقد برع الشعراء العرب منذ القدم في تصوير لحظات العتب والحزن والخذلان في أبيات خالدة تجمع بين الصدق والعذوبة. وفي هذا المقال الذي يحمل عنوان شعر عتاب فصيح، سنستعرض أجمل ما قاله الشعراء من أبيات تُعبّر عن العتاب النبيل، ذلك العتاب الذي لا يقطّع خيوط الودّ، بل يُرمّمها بكلمات فصيحة تنبض بالعاطفة والكرامة.

شعر عتاب فصيح

شعر عتاب فصيح
شعر عتاب فصيح

العتاب كان دائمًا من أجمل موضوعات الشعر العربي، وقد تناوله كبار الشعراء بأساليب مختلفة — بين رقّة العاطفة وقوة البيان. إليك مجموعة مختارة من شعر العتاب الفصيح:

1. المتنبي – عتاب ممزوج بالكبرياء

إذا المرءُ لم يدنسْ من اللؤمِ عِرضَهُ
فكلُّ رداءٍ يرتديهِ جميلُ
وإنْ أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدَا

يعاتب المتنبي الناس على غدرهم ونكران الجميل، في أسلوب يجمع الحكمة والعزة بالنفس.

2. أبو تمام – في الصفح عن الصديق

من لي بإنسانٍ إذا أغضبتُهُ
وجهلتُ كانَ الحلمُ ردَّ جوابِهْ
وإذا سألتهُ عتابي سامحَتْ
نفسي لهُ بعَتابِهِ وعِتابِهْ

📜 يُظهر أبو تمام جمال الصداقة التي تقوم على التسامح، وأن العتاب لا يُفسد المودة.

3. أحمد شوقي – في عتاب الحبيب

أحرامٌ على بلابلهِ الدوحُ؟
حلالٌ للطيرِ من كلِّ جنسِ؟
كُلُّ دارٍ أحقُّ بالأهلِ إلا
في خبيثٍ من المَذاهبِ رجسِ

📜 يعاتب شوقي الحبيب أو الوطن بحرقة المثقف الغيور، في صورة رمزية مؤثرة.

قد يهمك :

شعر عتاب جاهلي

العتاب في الشعر الجاهلي كان قويّ العبارة، عميق الإحساس، يحمل الفخر والكرامة، ويُعبّر عن العتاب النبيل الذي لا يُذلّ صاحبه. إليك مجموعة من أبيات العتاب الجاهلي المأثورة والمستوحاة من ذلك الطراز القديم:

من شعر طرفة بن العبد (العتاب على الجفاء)

وظلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضــةً
على المرءِ من وَقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
أرى العيشَ كنزًا ناقصًا كلَّ ليلةٍ
وما تنقصُ الأيامُ والدّهرُ يُفسِدِ

📜 يعاتب الشاعر قومه وأقاربه على ظلمهم له، مبينًا أن جرح القريب أشد من جرح السيف.

⚔️ من شعر عنترة بن شداد (العتاب في الحب والفخر)

ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ نواهِلٌ
منّي، وبيضُ الهندِ تقطرُ من دَمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها
لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسِّمِ

📜 هنا عتاب عاطفي بطابع بطولي، يُظهر حبًّا لا يخلو من كبرياء الفارس.

من المعلقات – زهير بن أبي سلمى (العتاب بالحكمة)

ومَن يجعلِ المعروفَ في غيرِ أهلِه
يكنْ حمدُهُ ذمًّا عليهِ ويندَمِ
ومَن لم يصنْ نفسَهُ لم يَصُنْ حرمَهُ
ولا يُكرِمِ الإنسانُ مَن لا يُكرَمِ

📜 يعاتب الشاعر من لا يعرف للفضل أهله، بأسلوب الحكيم الذي يجمع العتاب والعظة.

✒️ من شعر لبيد بن ربيعة (العتاب على النكران)

ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهِمْ
وبقيتُ في خلفٍ كجِلدِ الأجربِ
يتغاوَرونَ إذا التقَيتُ، وإنّما
كالموتِ يُكرهُهُ الشجاعُ المُجرَّبُ

📜 عتاب لبيد عتاب الزمن وأهله، على تبدّل القلوب وضياع الوفاء.

شعر في العتاب للمتنبي

فـ”العتاب” عند أبي الطيب المتنبي يجيء ممزوجًا بالكبرياء، والكرامة، والصدق العاطفي. لم يكن عتابه شكوى الضعيف، بل صوت الحكيم الذي يوجِّه اللوم بقوة البيان وسموّ النفس. إليك مجموعة من أبيات المتنبي في العتاب مع شرحها ومعناها:

1. من قصيدته الشهيرة في عتاب صديقه سيف الدولة الحمداني:

وَظَلَمتُهُ وَظَلَمْتُ نَفْسي حاضِرًا
وَتَرَكْتُهُ وَبِهِ السُّرورُ غَريبُ

📜 يعاتب المتنبي نفسه وسيف الدولة معًا، إذ يشعر أنه أخطأ في حق صديقه بتركه رغم المحبة القديمة، ويصف الفرح بأنه “غريب” في غياب الوئام.

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي
وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

📜 هنا يظهر كبرياء المتنبي، فهو يعاتب سيف الدولة على نكران فضله، مذكّرًا بما بلغه من مجدٍ وشهرة بفضل أدبه.

وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرهِ
إذا استوت عندهُ الأنوارُ والظُّلَمُ؟

📜 بيت عتابٍ لاذع: يقول فيه إن من لا يُفرّق بين النور والظلمة لا يدرك قدر النور، كناية عن مَن لا يميّز بين المخلص والغادر.

2. من أبياته الأخرى في عتاب الصديق والناس عامة:

إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدَا

📜 يعاتب المتنبي الدنيا والناس، مبيّنًا أن الكرم لا يصلح مع من لا يعرف قدره، وأن من لا يُكرم نفسه لا يستحق الإكرام.

أحسَدُ الناسِ ما بيني وبينَكَ من الهوى
وما أحدٌ من سائرِ الناسِ ذامُّهْ

📜 يعاتب محبوبه أو صديقه عتاب المحبّ الغيور، فيقول إن الناس يحسدون ما بينهما من المودة، ولا أحد يذم هذا الودّ.

3. في عتاب النفس والزمان:

ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعَمُ

📜 يعاتب المتنبي نفسه على وعيه الزائد، فالعقل عنده مصدر تعبٍ، بينما الجاهل يعيش مرتاحًا بلا همّ ولا فكر.

شعر عتاب الصديق

إليك مجموعة مختارة من أبيات شعر فصيح في عتاب الصديق — بعضها من التراث، وبعضها بصياغة حديثة راقية، تجمع بين العتاب والوفاء

1. عتاب الصديق الوفي

عاتبتُ قلبي حينَ عافَ ودادَهُ
فرأيتُ في عتبي عليهِ جفاءَ
لكنَّ صَحبًا قد هجرتُ ودادَهمْ
ما كانَ هجري في الهوى نِسْياءَ

📜 العتاب هنا رقيق، نابع من ألم الفراق، لا من الكِبر.

2. عتاب حكيم بين الأصدقاء

صديقي وإن طالَ الجفاءُ فإنّني
أهوى لقانا مثلما قد كنّا
إنّ الصديقَ إذا جفاك لعلّةٍ
ستراهُ يرجعُ إن صدقتَ الظنّا

📜 يعبّر الشاعر عن أملٍ في عودة الصداقة بعد الخصام.

3. عتاب مؤلم من صديق مجروح

خذلتني يا صاحِ بعد مَودّةٍ
كنتُ أراها في الفؤادِ يقينَا
واليومَ صرتَ كأنّما لم نلتقِ
وكأنّما ما كانَ بينا حِنينَا

📜 العتاب هنا صادق يخرج من قلب مكسور لكنه لا يزال وفيًّا.

4. من التراث – أبو تمام

إذا أنتَ لم تَشربْ مرارًا على القذى
ظمئتَ، وأيُّ الناسِ تصفو مشارِبُه؟
ومن ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلُّها؟
كفى المرءَ نُبلًا أن تُعَدَّ معايبُه

📜 يذكّر الصديق أن الصفح من شيم الكرام، وأن الكمال لله وحده.