اللهم ثبتنا على دينك ، في زمنٍ تتقلب فيه القلوب، وتكثر فيه الفتن، ويشتد الصراع بين الحق والباطل، تبرز حاجة المؤمن إلى دعاءٍ عظيم يردده بصدقٍ وخشوع: “اللهم ثبتنا على دينك”. فهو دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب من الله عز وجل أن يربط على قلوب عباده المؤمنين، وأن يحفظهم من الانجراف وراء الشهوات أو الشبهات، وأن يثبت أقدامهم على طريق الحق والهداية. فالثبات على الدين ليس أمرًا سهلًا، بل هو نعمة عظيمة من الله، لا يملكها العبد بقوته أو ذكائه، وإنما يمنّ الله بها على من شاء من عباده. ومن هنا، كانت هذه الكلمات دعاءً يوميًا وطلبًا صادقًا، نرفعه إلى الله مع كل صباح ومسـاء، وكلما اشتدت الغربة، وازدادت المحن.

اللهم ثبتنا على دينك

إن الثبات على الدين هو منحة ربانية، لا ينالها العبد إلا بتوفيق الله ورحمته، فهو الثبات على العقيدة الصحيحة، والاستقامة في القول والعمل، والتمسك بالحق مهما كثرت المغريات أو اشتدت الضغوط. وقد كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء قائلاً:

اللهم ثبتنا على دينك
اللهم ثبتنا على دينك

“يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك”، فقيل له: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: “نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء”.

فالثبات ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو صبرٌ على الطاعة، وصمودٌ أمام المعصية، وثقةٌ بالله في زمن الفتن والابتلاءات. وهو دليل صدق الإيمان، وعنوان الصلاح، ومفتاح للنجاة في الدنيا والآخرة. ومن تأمل في حياة الصحابة رضي الله عنهم، رأى كيف ضحوا وواجهوا الأذى والحرمان، لكنهم ثبتوا لأن قلوبهم تعلقت بالله، وتمسكوا بدينهم مهما كانت التحديات.

ومن أسباب الثبات: كثرة الدعاء، ومجالسة الصالحين، وقراءة القرآن بتدبر، والبعد عن مواطن الشبهات والفتن، والتعلق بالآخرة، ومراقبة الله في السر والعلن.

اللهم يا مقلب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك وعلى طاعتك

عن أَنَسٍ رضى الله عنه قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)

  • وكان يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن القلوب تعليلا إلى سبب دعوته وهجرته حيث أن القلوب بين اصبعين من اصابع الله عز وجل يضل بها من يشاء ويهدي بها من يشاء ونسأل الله أن نكون من المهتدين.
  • وينبغي للعبد أن يكرر دائما من تلك الدعاء بشكل مستمر حتى يحصل العبد على الهدايا والقرب من الله بشكل دائم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.
  • أما خير الحديث هو كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدى سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور هو محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
  • اعظم نعم الله سبحانه وتعالى علينا هي الإيمان والهداية إلى صراط الله المستقيم، والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله إلى الطريق الصحيح، حيث أن النبي سأل من الله الهداية والرشد إلى أصحابه بأن يقومون بطلبها.
  • كما أن رسولنا الكريم أخبر عنه خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله كان يسأل الله الكثير من الهدايا في جميع أموره المختلفة.
  • فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يُكثِرُ أن يقول: «يا مُقلِّبَ القلوب! ثبِّت قلبي على دينِك». فقلتُ: يا نبيَّ الله! آمنَّا بك وبما جئتَ به، هل تخافُ علينا؟ قال: «نعم، إن القلوبَ بين أُصبعين من أصابِع الله يُقلِّبُها كيف يشاء»
  • لذلك يصبح امر الخوف والضلال من البعد عن الله هاجس كبير يتصدر قلوب المؤمنين الذين تذوقوا نعمة القرب من الله عز وجل، وتذكر الطمأنينة والراحة مع الله.
  • ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ * رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ آل عمران7-8
  • وهذا يرجع إلى أن فتن الشبهات والشهوات انتشرت بشكل غريب ومريب، ولهذا يتساءل الجميع أن يسأل الله الهداية له، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة.

اللهم ثبتنا على طاعتك

فيما يلي دعاء اللهم ثبتنا على طاعتك في صور:

اللهم ثبتنا على طاعتك1
اللهم ثبتنا على طاعتك1
اللهم ثبتنا على طاعتك2
اللهم ثبتنا على طاعتك2
اللهم ثبتنا على طاعتك3
اللهم ثبتنا على طاعتك3
اللهم ثبتنا على طاعتك4
اللهم ثبتنا على طاعتك4

قد يهمك:

اللهم ثبتنا على دينك بالانجليزي

  • Shahr bin Haushab reported:
    I asked Umm Salamah (May Allah be pleased with her), “O Mother of the Believers! Which supplication did the Messenger of Allah (ﷺ) make frequently when he was in your house?” She said: “He (ﷺ) supplicated frequently: ‘Ya muqallibal-qulubi, thabbit qalbi ‘ala dinika (O Controller of the hearts make my heart steadfast in Your religion).”
  • [At- Tirmidhi].
  • وعن شهر بن حوشب قال‏:‏ قلت لأم سلمة، رضي الله عنها، يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كان عندك‏؟‏ قالت‏:‏ كان أكثر دعائه‏:‏ ‏ “‏يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك‏”‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

اللهم ثبتنا بالقول الثابت

هذه الدعوة المباركة الجليلة اقتبسها المؤلف حفظه اللَّه تعالى وسدَّده من قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.

  • وهذه الآية الكريمة نزلت في سؤال المسلم في القبر،فعن البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : ((المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه ، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ ولهذا كان صلى الله عليه وسلم ((إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)).
  • وتضمن هذا الدعاء المبارك، سؤال اللَّه تعالى الثبات في الحياة الدنيا ((عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه اللَّه تعالى على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي، والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب الصحيح إذا قيل للميت: ((من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟)).
  • وهذا الدعاء الطيب له نظائر في أدعية المصطفى صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم التي أوتيها، فمنها : ((…إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ وَخَيْرَ النَّجَاحِ وَخَيْرَ الْعَمَلِ وَخَيْرَ الثَّوَابِ وَخَيْرَ الْحَيَاةِ وَخَيْرَ الْمَمَاتِ وَثَبِّتْنِي…))، وكذلك في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لجرير بن عبد اللَّه رضى الله عنه ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا))، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ((رَبِّ أَعِنِّي … وَثَبِّتْ حُجَّتي)) ، وقوله: (وثبتني) يفيد العموم، أي سأل اللَّه تعالى الثبات في الدنيا، والبرزخ والآخرة، فوافق هذا الدعاء الطيب الأدعية التي جاءت عن المصطفى

اللهم ثبتنا عند السؤال

يجوز الدعاء بالثبات عند السؤال في الصلاة في مواضع الدعاء وبعدها وفي غيرذلك من الأوقات, وليس هذا الدعاء باللفظ المذكور مما ورد في السنة الدعاء به في الصلاة، وإنما الوارد بعد التشهد وقبل السلام الاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات, وقد قيل في معنى فتنة الممات السؤال في القبر.

جاء في عون المعبود: قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِتْنَة الْمَحْيَا مَا يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مُدَّة حَيَاته مِنْ الِافْتِتَان بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَات وَالْجَهَالَات، وَأَعْظَمهَا وَالْعِيَاذ بِاَللَّهِ أَمْر الْخَاتِمَة عِنْد الْمَوْت، وَفِتْنَة الْمَمَات يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الْفِتْنَة عِنْد الْمَوْت أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَيَكُون الْمُرَاد بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْل ذَلِكَ ، وَيَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا فِتْنَة الْقَبْر . وَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيث أَسْمَاء ” إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُوركُمْ مِثْل أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال .