برز التيار الصوفي واكتمل وتبلور في العصر العباسي الثاني، وشاع الكثير من الشعراء الذين نظموا قصائد تدعو إلى الزهد، وتحضّ على التفرغ لعبادة الله ، وقد كان شعر الزهد قاعدة لانطلاق شعر التصوف لديهم ، فلم تخل نصوص الشعر الصوفي من عناصر الزهد، وبالتالي يصعب الفصل بين شعر الزهد وشعر التصوف لأنهما قائمان على أساس واحد ، إليكم في السطور القادمة الحديث عن الزهد والتصوف في العصر العباسي الثاني .
محتويات المقال
الزهد والتصوف في العصر العباسي الثاني

- صحيح أن حياة الطبقات العليا في هذا المجتمع قد غرقت في حياة الترف والدعة وأغرقت في اللهو والمجون، ولكن المجتمع العباسي والذي يشكله عامة الشعب كان مجتمعاً مسلماً تمسك بأخلاق الإسلام ومروءة العرب، ولم يعرفوا حياة الترف وما تجر إليه من اللهو وشرب الخمرة والمجون، وكان يسخطون على الزنادقة والملحدين والمجان.
- وإن كانت انتشرت دور الخمر والمجون، فقد انتشرت على النقيض من ذلك حركات الوعظ والزهد في الدنيا في المساجد، وانتشرت طائفةٌ كبيرةٌ من الفقهاء والمحدثين الذين أبوا متاع الدنيا وكرسوا حياتهم للعبادة وابتعدوا عن الترف وملاذ الدنيا التي انتشرت في هذا العصروكانوا مؤثرين في العامة.
- وكان من بينهم إبراهيم بن إسحق الحربي الذي عزف عن ملذات الدنيا وأبى أن يأخذ أجراً على جلوسه لرواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يرفض أي مالٍ يأتيه من خليفةٍ أو سلطان وعاش معيشته في زهدٍ شديدٍ وتقشف ويروى أنّ الخليفة العباسي المعتضد أرسل إليه عشرة آلاف درهم فردها ورفض قبولها.
الفرق بين الزهد والتصوف في العصر العباسي
الفرق بين الزهد والتصوف في العصر العباسي :
- هذان مصطلحان ارتبطا بالعرص العباسي وعصر الضعف “الصوفية من جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس ابليس على الزهاد الا أن الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا الى افرادهم بالذكر، والتصوف كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون اليها بالسماع والرقص فمال اليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد، وما اليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب..”
- فالتصوف اذا أخص من الزهد ، فالزهاد هم الذين تعلقوا بالزهد والتعبد وتخلوا عن الدنيا وانقطعوا الى العبادة واما الصوفية فقد زادوا على ذلك أمورا محدثة تفردوا بها مثل المكاشفات والذوق والوجد والسماع والمحاضرة والشطح، فابتدعوا بذلك أمورا جديدة في دين الله، ضلوا بسببها وأضلوا، فذمهم الأئمة الأعلام وسنذكر شيئا من أقوالهم فيهم.
مقدمة عن شعر الزهد والتصوف
- شعر الزهد يشير إلى أن هذه الجماعة اختصّت لنفسها هذا النوع الأدبي من الشعر مبتعدين بذلك عن الأشعار التي يقبِل عليها عوام الناس، وما تتّسم به من بذخٍ وذكر المال، والمناصب، منصرفين عن الخلق بعبادة الخالق، هكذا وقد تحدث ابن خلدون عنه في مقدمته، فقال: “فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثّاني وما بعده، وجَنَح النّاس إلى مخالطة الدنيا، اختصّ المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة”.
قد يهمك :
- مظاهر النزعة العقلية في العصر العباسي
- ما هي اهم مميزات العصر العباسي؟
- ورقة عمل الدولة العباسية
- شعر وصف القصور في العصر العباسي
- ما مفهوم الادب في العصر الحديث
- تعبير عن خصائص الشعر في العصر الاسلامي
- ملخص عن حياة العرب في العصر الجاهلي
- موضوع عن الشعر العربي الحديث
التصوف الإسلامي ودور الزهد في نشأته
التصوف الإسلامي ودور الزهد في نشأته :
- يؤكد الباحث محمد بالطيب أنّ الإسلام الصوفي نشأ أوّل أمره سلوكا عمليا أساسيا. ولم يكن أبدا مذهبا نظريا. فقد كان منطلقه ذلك الزهد الذي يحث عليه القرآن. وكان فيه عكوف على العبادة والتأثر بأخلاق النبي والاقتداء بسلوكه. فقد جعل القشيري مثلا هذا الاقتداء شرط الانتماء إلى المذهب الصوفي.
- وعلى خلاف الفقيه الذي يشتغل على أفعال العبادات وهيئاتها، أي الحركات الخارجية كان المتصوّف ينصرف أكثر إلى البعد الرّوحي منها كإيثار الإخلاص والصبر والتوكل والخشوع الشوق إلى لقاء ربّه، وعامة كان ينصرف أكثر إلى كل ما له صلة بالمكابدة الباطنية التي تبتغي تصفية القلب من شواغل الدنيا.
- ولكن عوامل نشأته لم تكن دائما دينية محضا، وفق ما يشير الباحث. فقد كان للشأن السياسي والاجتماعي والثقافي عصرئذ دور مهم في انتشاره. فقد ارتبط ظهوره بانتشار الفوضى والفتن والحروب والمظالم الاجتماعية وبظهور فئات مترفة بالمقابل، تبحث عن المجون واللهو وتنعم برفاهية العيش.
- وجميع هذه العوامل كانت تزهّد المؤمن في الدنيا وتحثّه على التعلّق بالآخرة. لذلك كان السريّ السقطي (ت 254) يردّد: “لا تأخذ من أحد شيئا ولا تسل أحدا شيئا ولا يكن معك ما تعطي منه أحدا شيئا” ولذلك أيضا عُرف المتصوفة بالفقراء. و”الفقيرُ، قوته”، بحسب أبي تراب النخشبي، “وما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه حيث نزل”.
- وأخذ هذا التصوّف، في مرحلة لاحقة، يتسع شيئا فشيئا. ويتّجه نحو الغلو في ترك الدنيا والانصراف عن مباهجها والبحث عن المشاق بحثًا علّها تروض النّفس والجسد. ثمّ أخد الزهّاد يتأثرون بالحركة الفلسفية “فتسربت إلى التصوّف مواد ذوقية وطقوس رهبانية وأضيفت إليه من الوافدين من سائر البلدان ومن البلدان الشرقية كالسّند وفارس خاصّة” وفق الباحث. وشملت الدعوة إليه حواضر العراق والشام ومصر “وقد انتهى أصحابه إلى وجوه من التّعبّد فيها تشدّد وسرف وغلو وإفراط حتّى ضاقت دائرة الحلال عندهم فلم تنطبق إلاّ على القليل من الأشياء”. كما جاء في الأثر.
- ومع حلول القرن الرابع للهجرة بلغت هذه الفلسفة الصوفية النضج والاكتمال. فتحوّلت العبادات من الغاية إلى الوسيلة، أي تحولت من الامتثال للأوامر الإلهية التي تبتغي مرضات الرّب إلى الفناء فيه. وعلى مستوى الممارسة تحولت من التجربة الذاتية الفردية إلى السلوك الجماعي الذي يقتضي تقاليد وآدابا وتراتبية: فأضحى لكل طائفة قطب يرشدها ويحظى بالنفوذ عند مريديه.
- “بحيث أصبح التّصوّف مذهبا منظّما وتحوّل من تجربة ذاتية يعيشها الفرد إلى مملكة روحية منظّمة تنظيما هرميا يستنسخ في هيكله العام التنظيمات الشيعية وإذا بنا أمام “حكومة باطنية” تتصرف في العالم وتحفظ عليه نظامه وعلى رأسها “القطب” وتحته “النقباء” و”الأوتاد” و”الأبدال”.” تم أخذت هذه المذاهب طريقها إلى النسيج الاجتماعي فظهرت الطرق التي اكتسبت حظوة وسلطانا لا يزال قائما إلى اليوم.
شعر التصوف
عد ما جاء من تعريف التصوف في الشعر، لا بدَّ من المرور على أبرز ما جاء في تاريخ الشعر العربي من أشعار صوفية كتبها شعراء صوفيون، فخلَّدوا الشعر الصوفي في ذاكرة الأدب العربي، وقد تميَّز ما وردَ من أشعار صوفية بمعجم لغوي خاص يشي بانتماءات شاعرها الصوفية.
الشعر الصوفي ليس وليد عاطفة دينية مجردة ، بل هو نتاج مراحل معرفية، وتجليات ذوقية بحتة ، مرّ بها الشاعر عبر تطورات معينة ، يلتقطها بقلمه الساحر العفوي التلقائي ، بَيْد أنه لا يصورها كما يحدث في المسائل الفكرية والنظريات الفلسفية ، والقواعد المنطقية وإنما يعبّر عما يختلج في نفسه ، ويضطرب في قلبه، وجوانحه من خلجاتٍ ومشاعر غير مألوفة ، إذ يصوغها بقالب فني مبهر :
- نعم .. لمست فيه غلياناً يفور في أعماق ذاته ، حيث يرى في داخله ما لا يُرى .. بهدوء ونقاء رتيب عجيب ، ولسان حاله يموج ويهدر
- .. ” موسيقا الصمت ، وقد أغمضت ، وعقلي في قلبي انصهرا ..
- .. وخيالٌ .. جاوز طاقته .. وامتدّ فأبصر ما استترا ..
- .. وسرحتُ .. مع الأفلاك .. مع الأملاك .. أرى ما ليس يُرى .. سبحاتٌ .. فاقت شاعرها .. لم تُقصد .. بل كانت قدراً .. غيبوبة عشق في ملكوت جمال الله .. وما فطرا .. “
بحث حول شعر الزهد والتصوف pdf
نموذج بحث حول شعر الزهد والتصوف pdf :